الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
377
تفسير روح البيان
الخطاب وان كان بحسب الظاهر متوجها إلى النبي عليه السلام الا انه من حيث المعنى متوجه إلى جميع من سمع بقصتهم من أهل الكتاب وأرباب التواريخ فمقتضى الظاهر أن يقال ألم تسمع قصتهم الا انه نزل سماعهم إياها منزلة رؤيتهم تنبيها على ظهورها واشتهارها عندهم فخوطبوا بألم تر وهو تعجيب من حال هؤلاء وتقرير اى حمل على الإقرار بما دخله النفي * قال الامام الواحدي ومعنى الرؤية هاهنا رؤية القلب وهي بمعنى العلم انتهى فتعدية الرؤية بالى مع أنها ادراك قلبي لتضمين معنى الوصول والانتهاء على معنى ألم ينته علمك إليهم * قال العلماء كل ما وقع في القرآن ألم تر ولم يعاينه النبي عليه السلام فهو بهذا المعنى * وفي التيسير وتحقيقه اعلم ذلك * وفي الكواشي معناه الوجوب لان همزة الاستفهام إذا دخلت على النفي أو على الاستفهام صار تقريرا أو إيجابا والمعنى قد علمت خبر الذين خرجوا الآية * قال ابن التمجيد في حواشيه لفظ ألم تر قد يخاطب به من تقدم علمه بالقصة وقد يخاطب به من لم يتقدم علمه بها فإنه قد يقول الرجل لآخر ألم تر إلى فلان أي شئ قال يريد تعريفه ابتداء فالمخاطبون به هاهنا اما من سمعها وعلمها قبل الخطاب به من أهل التواريخ فذكرهم وعجبهم واما من لم يسمعها فعرفهم وعجبهم وقيل الخطاب عام لكل من يتأتى منه الرؤية دلالة على شيوع القصة وشهرتها بحيث ينبغي لكل أحد ان يعلمها أو يبصرها ويتعجب منها وَهُمْ أُلُوفٌ جمع الف الذي هو من جملة أسماء العدد واختلفوا في عدد مبلغهم والوجه من حيث اللفظ ان يكون عددهم أزيد من عشرة آلاف لان الألوف جمع الكثرة فلا يقال في عشرة آلاف فما دونها ألوف حَذَرَ الْمَوْتِ مفعول له اى خرجوا من ديارهم خوفا من الموت فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ على لسان ملك وانما أسند اليه تعالى تخويفا وتهويلا لان قول القادر القهار والملك الجبار له شأن مُوتُوا التقدير فماتوا لاقتضاء قوله ثم أحياهم ذلك التقدير لان الاحياء يستدعى سبق الموت ثُمَّ أَحْياهُمْ اى أعادهم احياء ليستوفوا بقية أعمارهم وليعلموا ان لا فرار من القدر * قال ابن العربي عقوبة لهم ثم أحياهم وميتة العقوبة بعدها حياة للاعتبار وميتة الاجل لا حياة بعدها * وعن الحسن أيضا أماتهم اللّه قبل آجالهم عقوبة لهم ثم بعثهم إلى بقية آجالهم وقصة هؤلاء ما ذكره أكثر أهل التفسير انهم كانوا قوما من بني إسرائيل بقرية من قرى واسط يقال لها داوردان وقع بها الطاعون فذهب اشرافهم وأغنياؤهم وأقام سفلتهم وفقراءهم فهلك أكثر من بقي في القرية وسلم الذين خرجوا فلما ارتفع الطاعون رجعوا سالمين فقال الذين بقوا أصحابنا كانوا احزم منا لو صنعنا كما صنعوا لبقينا كما بقوا ولئن وقع الطاعون ثانية لنخرجن إلى ارض لا وباء بها فوقع الطاعون من العام القابل فهرب عامة أهلها فخرجوا حتى نزلوا واديا افيح بين جبلين فلما نزلوا المكان الذي يبتغون فيه النجاة ناداهم ملك من أسفل الوادي وملك آخر من أعلاه ان موتوا فماتوا جميعا من غير علة بأمر اللّه ومشيئته وماتت دوابهم كموت رجل واحد فاتت عليهم ثمانية أيام حتى انتفخوا وأروحت أجسادهم اى أنتنت فخرج إليهم الناس فعجزوا عن دفنهم فاحدقوا حولهم حظيرة دون السباع وتركوهم فيها فاتت على ذلك مدة وقد بليت أجسادهم وعريت عظامهم فمر عليهم نبي يقال له حزقيل بن يوزى ثالث خلفاء بني إسرائيل بعد موسى عليه السلام وذلك